علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
48
ثمرات الأوراق
قرطبة ، ولم يسر إلى الغزاة إلّا من الجامع ؛ فاتّفق أنّه في بعض حركاته للغزاة ، توجّه إلى الجامع لعقد اللّواء ، فاجتمع عنده القضاة والعلماء وأرباب الدّولة ، فرفع حامل اللّواء اللّواء ، فصادف ثريّا من قناديل الجامع فانكسرت على اللواء ، وتبدّد عليه الزّيت ، فتطيّر الحاضرون من ذلك ، وتغيّر وجه المنصور ، فقال رجل : أبشر يا أمير المؤمنين بغزاة هيّنة ، وغنيمة سارّة ؛ فقد بلغت أعلامك الثريّا ، وسقاها اللّه من شجرة مباركة ؛ فاستحسن المنصور ذلك واستبشر به ، وكانت الغزوة من أبرك الغزوات . ومثل هذا لمّا خرج المنصور العبّاسيّ إلى قتال أبي يزيد الخارجيّ في جماعة من الأولياء ، وواجه الحصن ، سقط الرّمح من يده ، فأخذه بعض الأولياء فمسحه ، وقال : فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى * كما قرّ عينا بالإياب المسافر قال : فضحك المنصور ، وقال : لم لا قلت : فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ ؟ [ الشعراء : 45 ] فقال : يا أمير المؤمنين : العبد تكلّم بما عنده من إشارات المتأدّبين ، وتكلّم أمير المؤمنين بما أنزل في نبيّه من كلام ربّ العالمين . فكان الأمر على ما ذكره ، وأخذ الحصن ، وحصل الظّفر بأبي يزيد . * * * عيادة شهاب الدين بن محمود لابن خلكان حكي أنّ الشيخ شهاب الدين بن محمود قال : عدت قاضي القضاة شمس الدين ابن خلّكان في دمشق بالمدرسة النّجيبيّة سنة إحدى وثمانين وستمائة ، فأنشدني لبعض أهل الأدب في نقيب الأشراف بالمدائن رثاء خلب قلبي . وهو يقول : قد قلت للرّجل المولّى غسله : * هلّا أطاع وكنت من نصحائه ! جنّبه ماءك ثمّ غسّله بما * أذرت عيون المجد عند بكائه وأزل أفاويه الحنوط ونحّها « 1 » * عنه وحنّطه بطيب ثنائه ومر الملائكة الكرام بنقله « 2 » * شرفا ألست تراهم بإزائه ! لا توه أعناق الرّجال بحمله * يكفي الذي حملوه من نعمائه قال الشّيخ شهاب الدّين : فوقع في نفسي أنّه أحقّ الناس بهذا الرّثاء ، وأنّه نقّى نفسه ، فمات في ذلك الأسبوع ، برّد اللّه مضجعه ! * * *
--> ( 1 ) الحنوط : طيب يخلط ، ويوضع للميت . ( 2 ) ب ، د : « يحمله » .